خلف: لن تصل الدولة إلى استقرارٍ في سعر الصرف من دون الإصلاحات والمحافظة على الأمن الاجتماعي على حساب المودعين ينافي المنطق

رأى الأمين العام لجمعية مصارف لبنان الدكتور فادي خلف أنه “آن الأوان للدولة أن تدرك استحالة استمرار سياسة ربح الوقت ومعاكسة الرياح واستسهال استنزاف ما تبقَّى من أموال المودعين. إنها بالإضافة إلى الضرر الذي تتسبب به، هي حتماً لن تصل إلى استقرارٍ في سعر الصرف طالما لم تقم بالإصلاحات المطلوبة”.

 

وقال في افتتاحية التقرير الشهري لجمعية مصارف لبنان آب 2023: “تسلم الدكتور وسيم منصوري حاكمية مصرف لبنان ليجد نفسه في مواجهة مع احتياجات الدولة واتكالها الأزلي على أموال المودعين التي تعودت على مصادرتها على مَرّ السنين. فأتى الدكتور منصوري ليتعهد أمام جمعية المصارف بأنه لن يمس دولاراً واحداً من الاحتياطي، قائلاً: “هذه أموال المودعين”.

 

نعم، إن المساس بأموال المودعين كان ولم يزل مرفوضاً مهما كانت الأعذار والتفسيرات، وقد سبق ووجَّهَت جمعية المصارف كتابين شديدي اللهجة في هذا المجال إلى الحاكم السابق لمصرف لبنان رياض سلامة في 1 نيسان 2021 وفي 4 نيسان 2022، كذلك أصدرت بياناً في هذا الخصوص بتاريخ 8 تموز 2021، فكان الحل عنده بإعادة الأموال بالليرة على سعر 1500 في حال أصرَّت المصارف على المطالبة بودائعها لديه. علماً أن التضحية بأموال المودعين لم تمنع الدولار من الارتفاع، فذهبت الودائع سدىً ولم ينفع تبديد الاحتياطي في منع الانهيار، فكان الفشل صارخاً.

 

أمام إصرار الدولة على متابعة تبديد ما تبقى من الاحتياطي نطرح السؤال، كيف ستتصرف الدولة إذا ما نضب آخر دولار من أموال المودعين في مصرف لبنان؟ هل ستلجأ الدولة إلى مقولة أن الضرورات تبيح المحظورات وتنتقل إلى تسييل الذهب؟ وماذا بعد الذهب؟ كل ذلك حتى لا تقوم الدولة بالإصلاحات اللازمة ولكي تبقى الأولوية للثقوب في السلّة، وما أدراكم كم من المحسوبيات تستقي من هذه الثقوب!.

 

اليوم يشدد سعادة الدكتور منصوري على إنجاز القوانين المتعلقة بإعادة الانتظام المالي وإعادة هيكلة المصارف وغيرها من القوانين التي من دونها لا يستوي إصلاح ولا قيامة للبنان، فلنشدّ على يده، علَّنا نرى نهاية النفق في زمنٍ قريب”.

 

 

 

وعن الحفاظ على ما تبقّى من أموال المودعين لدى مصرف لبنان، قال: “قبل الغوص في ما تقوله الأعراف الدولية في هذا المجال، من الجدير بالذكر أن الباحثين في العالم لم يتناولوا يوماً في دراساتهم إمكانية استعمال أموال المودعين لدعم العملة الوطنية، كون هذه الفرضية لم تُطرح يوماً، لا بل لم تخطر في بال أي منهم أصلاً. ذلك أن المصارف المركزية تعتمد حكماً على احتياطها الحر الذي تكون قد كوَّنته عبر تدخُّلاتها السابقة في سوق القطع أو عبر آليات عديدة أخرى لا تمسّ بأموال المودعين بأي شكل من الأشكال.

 

عندما صنَّف صندوق النقد الحالة اللبنانية بغير المسبوقة، كان ذلك على أساس أنه لم يشهد يوماً استعمالاً لأموال المودعين على الشكل الذي شهده في لبنان. وفي اعتقادنا الشخصي إن الحالة اللبنانية ستصبح مادة بحث جديدة تُدَرَّس في الجامعات ويتناولها الباحثون حول العالم.

 

من جهة أخرى، إن المناداة بالمحافظة على الأمن الاجتماعي على حساب المودعين ينافي المنطق. اللهم إلا إذا طغى مبدأ إعادة توزيع الثروات الذي يُطبَّق في البلدان التي تعتمد الفلسفة الماركسية وليس في بلد تنتفي فيه الخدمات العامة فيرتكز اقتصاده على المبادرة الفردية. فلا تقتلوا المبادرة الفردية لأنها وحدها كفيلة بإطلاق العجلة الاقتصادية من جديد.

 

لقد استهلكت الدولة مع مؤسساتها السواد الأعظم من أموال المودعين فساوت في ما بينهم في الفقر والعوز، حتى أصبحنا في بلد تأخذ فيه من وديعة الفقير لتعطي للشعب أو ربما للمحسوبيات. حتى كارل ماركس لو سمع بهذه النظرية لانتفض في قبره. القليل الذي تبقى في مصرف لبنان يجب أن يُستعمل حصراً لتسديد الودائع الصغيرة بالتعاون مع المصارف ولا جدل في ذلك تحت أي ذريعة كذريعة تثبيت سعر الصرف”.

 

وتابع خلف: “قبل الحديث عن سلبيات استعمال أموال المودعين لتثبيت سعر الصرف، من المهم أن نتذكر بأن سعر صرف الدولار ارتفع من 1500 ليرة إلى 90000 ليرة (60 ضعفاً) في الأشهر الـ 42 الأولى من الأزمة الحالية، فيما في الثمانينات، ارتفع الدولار في الأشهر الـ 42 الأولى من الأزمة النقدية (11 ضعفاً) ولم تمسّ الدولة حينها دولاراً واحداً من أموال المودعين. فهل تجاوز المسؤولون في 42 شهراً الأثار المالية السلبية للحرب بست مرات (11 ضعفاً حينها، مقابل 60 ضعفاً حالياً)؟

 

من ناحية أخرى، البعض يرتاح اليوم لعودة سعر الدولار إلى 90000 ليرة، ذلك لأنه رأى الـ 141000 في آذار فاقتنع بالـ 90000 في تموز على قاعدة أنه كان يجب أن يرى “نجوم الظهر” ليقتنع بالوضع الحالي. الارتفاع الأخير أخذ الدولار من 40000 إلى 141000 وكان من الطبيعي أن يعود تقنياً إلى منتصف الطريق ليهضم ارتفاعاته. لقد شهدنا ذلك سابقاً بعد الارتفاع الذي حصل من 1500 إلى 10000 قبل أن يرتد إلى 6000 ليرة. كذلك فعل بعد ارتفاعه من 15000 إلى 35000 ليعود ويرتد إلى 22000 ليرة. سوق القطع بحاجة إلى ردة تصحيحية بعد الارتفاعات الكبرى، تليها فترات “هضم” ليتأقلم خلالها الجميع مع الأسعار المرتفعة. وبالتالي التراجع الأخير كان ليحصل بجميع الأحوال حتى لو لم يتدخل المصرف المركزي. لقد أطال المركزي الفترة التصحيحية ولكن بأي ثمن؟ كيف تعامل المصرف المركزي مع تقنيات السوق؟ اعتمد المصرف المركزي بحاكميته السابقة لسنوات على تقنية مواجهة المنحى العام لسعر صرف الدولار مقابل الليرة، وهذا المنحى تحدده عادة المؤشرات الاقتصادية للبلاد. لتطبيق تقنية مواجهة المنحى العام والمعروفة علمياً بتقنية “معاكسة الرياح” شروط لا يمكن تجاوزها وهي: يقتصر استخدام تقنية “معاكسة الرياح” على مواجهة التقلبات الناجمة عن أحداث غير متوقعة ومؤقتة يُتوقَّع أن تزول آثارها في وقت قصير. استخدام تقنية “معاكسة الرياح” لفترات طويلة يَستنزف احتياطي المصرف المركزي، وبالتالي يُضعف قدرته على مواجهة المضاربين في السوق. إن دور المصارف المركزية هو التركيز على مواجهة التذبذبات الحادة في سعر الصرف حول المنحى العام للعملة، وليس محاولة كسر المنحى العام نفسه الذي يُحَدِده الوضع الاقتصادي للبلاد.

 

من بين شروط نجاح تقنية ” معاكسة الرياح”، أن يحتفظ المصرف المركزي بمستوى مرتفع من الاحتياطي بالعملات الأجنبية، وهذا ما يتعارض مع استنزاف جزء من الاحتياطي لتمويل احتياجات الدولة من العملات الأجنبية”.

 

وإذ لفت الى مراجعة مقاله حول هذا الموضوع، في آذار 2022 بعنوان “نفاذ الاحتياطي وتدخلات مصرف لبنان بحسب المعايير الدولية” ، ختم خلف: “المساس بتوظيفات المصارف لدى مصرف لبنان لم ولن يكون الحل، لا بل سيفاقم الأزمة عوض حلِّها. على الجميع الاقتناع بأن سعر الصرف لا يمكن إلا أن يعكس واقع الاقتصاد، وكلّ التعويل اليوم على الحاكم الجديد الدكتور وسيم منصوري، آملين أن ينجح في إخراجنا من النفق المظلم”.

 

 

لا تفوت منشورًا!

اشترك مجانًا وكن أول من يتم إخباره بالتحديثات.