بين كفالة رمزية وسنوات خلف القضبان … أين العدالة في لبنان؟

مقال رأي

بقلم: نديم بيضون
رئيس الشؤون الإعلامية – هيئة رعاية السجون وأسرهم في دار الفتوى

في ظلّ ما شهدناه أخيراً من مراجعات لبعض قرارات المحكمة العسكرية في لبنان، يبرز ملف الموقوفين الإسلاميين مجدداً كأحد أكثر الملفات إلحاحاً على طاولة النقاش الوطني، وهو ملف لم يعد يحتمل التأجيل أو المعالجة الشكلية، بل يحتاج إلى مقاربة جريئة وصريحة تعيد طرحه من زاوية العدالة لا السياسة.

فالمشهد القضائي الحالي يكشف مفارقة يصعب تبريرها أو التغاضي عنها. فبينما أوقف أشخاص في قضايا حديثة، سارت محاكماتهم بسرعة لافتة وانتهت بإخلاء سبيلهم بكفالات رمزية لا تتجاوز عشرات الدولارات، لا يزال في المقابل موقوفون آخرون يقبعون خلف القضبان منذ أكثر من عشر سنوات، من دون أن تُستكمل محاكماتهم أو تصدر بحقهم أحكام نهائية.

هذه المفارقة لا يمكن أن تمرّ مرور الكرام، لأنها تطرح تساؤلات جدية حول معايير العدالة وسرعة الإجراءات القضائية، وحول ما إذا كانت المعايير نفسها تُطبَّق على جميع الموقوفين دون استثناء.

إن أي مراجعة جدية لهذا الملف قد تكشف، وبوضوح، أن ظلماً كبيراً وقع على عدد من الشبان، ولا سيما من أبناء الطائفة السنية، حيث إن كثيراً من التوقيفات جرت في ظروف ملتبسة أو استندت إلى شبهات ضعيفة ومؤشرات عامة، كالمظهر الخارجي أو التعبير عن آراء على وسائل التواصل الاجتماعي.

إن العدالة لا يمكن أن تُبنى على الشبهات، ولا يجوز أن تتحول سنوات عمر الشباب إلى ثمن للاشتباه أو للظروف السياسية والأمنية التي مرّ بها البلد.

ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس مجرد نقاش إعلامي عابر، بل خطوة قضائية واضحة تبدأ بإعادة فتح هذا الملف ومراجعته بشفافية كاملة، بما يضمن إنصاف من ظُلم وتسريق قانون العفو العام من لا تزال ملفاتهم معلّقة منذ سنوات طويلة.

فالدولة القوية لا تُقاس بعدد الموقوفين في سجونها، بل بقدرتها على تصحيح أخطائها، وإرساء عدالة حقيقية لا تميّز بين مواطنيها. العدالة التي تردّ الحقوق إلى أصحابها، هي وحدها التي تعيد الثقة بين الناس ومؤسسات الدولة.